متلازمة التقصير والإهمال!

قد يعترض البعض على مقالي هذا بأننا لم نستكمل احتياجنا من المدارس الحكومية بعد، فكيف نفكِّر بهؤلاء، وقد يقول البعض إننا بحاجة إلى تبني إنشاء روضات أطفال حكومية بحجم المدارس الابتدائية تماماً، كل هذا صحيح، ونعرف أننا بحاجة إلى المزيد للمستشفيات كي يضبط الوضع الصحي، ويجد المريض سريراً، كل هذا صحيح، فكثير من الخدمات في قطاعي الصحة والتعليم لم تزل دون ما نحلم به لهذا الوطن، ولكن ماذا لو كان أحدكم ضمن خمسة وعشرين ألف عائلة سعودية تعيش المأساة؟ ماذا ستفعلون تجاه طفلكم؟.هل تتخيّل أن إحصائية قديمة تاريخها يعود إلى عام 1431هـ، أي قبل ثلاث سنوات، تؤكد أن هناك 25 ألف طفل سعودي هم ممن يعانون من متلازمة داون؟ وأن الرقم يسير بازدياد، وأن هؤلاء لا يجدون المكان المناسب لهم صحياً وتعليمياً في بلاد وهبها الله ذهباً أسود يغطي عين الشمس؟.كثير من أسر هؤلاء هم من الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل، التي لا تستطيع دفع رسوم المراكز المتخصصة، ولا يجدون لهم فرصة التعليم أيضاً ضمن التعليم العام الذي يسعى إلى دمج هؤلاء ضمن التلاميذ الأسوياء دون أن يوفر لهم المتخصصين من كوادر مدرّبة وتجهيزات مناسبة، بالتالي ليس ثمّة جدوى من دمجهم في ظروف التعليم العام الحالية، ولعل الخيار الأسوأ هو إلحاقهم في مدارس التربية الفكرية، تلك التي قد تعود بحالتهم إلى الوراء بدلاً من أن تدفعها إلى الأمام، كما في حال دمجهم ضمن تلاميذ التعليم العام، طبعاً بتوفر شروط ذلك.ولعل المشكلة الأكبر لدى هذه الأسر هي حين يتجاوز طفلهم سن الثانية عشرة، فلا الجمعيات والمراكز تستقبله، ولا يجد فرصة مناسبة للتعليم في قطاع التعليم العام، فحسب أخصائية في هذا الشأن، تؤكد غياب المراكز المتخصصة لهؤلاء لمرحلة 12 إلى 18سنة، لذلك يصاب هؤلاء في مرحلة طفولتهم المتأخرة بالإحباط واليأس، وتحتار أسرهم بهم، مما يجعلهم عاطلين عن العمل والتعليم، ويزيد معاناتهم النفسية والاجتماعية.كيف نفتقد لمركز تعليمي واحد لهؤلاء في مرحلة 12-18 سنة، ونحن نحظى بميزانية ضخمة تحلم بعشرها معظم دول الجوار؟ كيف نتمنى مركزاً واحداً ولدينا كل هذه الجمعيات الخيرية المنتشرة في المدن والقرى؟ كيف نحلم بمركز تعليمي واحد فقط رغم كل هذه الثروات، ورغم أن لدينا ستة عائلات هي ضمن أغنى عشر عائلات في الوطن العربي؟.أليس لنا الحق أن تكون بلادنا، ضمن ظروفنا هذه، مرجعاً للعالم في هذه الإعاقات، خاصة إذا كانت الإعاقات لدينا تزيد عن المتوسط العالمي لمعدل الإصابة وهو 1 لكل 1000 شخص، أي أننا بحاجة ماسة، قبل غيرنا، إلى التحرك لإنشاء مثل هذه الجمعيات والمراكز الطبية والتعليمية لمختلف فئات المعوقين، ومن ضمنهم معوقو متلازمة داون، حتى لا نصبح نحن مصابين بمتلازمة التقصير والإهمال!.