داخل أسوار المدرسة

هالة القحطاني *

ربما ركزت وزارة التربية والتعليم بشكل مكثف في السنوات الأخيرة على أداء ومستوى التعليم والمناهج في المدارس الحكومية، مُسلِمة بأن المدارس الأهلية نموذجية وليست بحاجة إلى تطوير أو تعديل، أو يحتمل أن الرأي العام كثف الضوء بشكل مستمر على مشكلات المدارس الحكومية، مُعتقداً بأن المدارس الأهلية نموذج كامل لا يحتمل الدخول في مقارنة بينه وبين المدارس الحكومية، ولكن التجربة أثبتت بعد تسليط الضوء على مكامن الخلل والثغرات، بأن بعض المدارس الحكومية بدأت فعلياً، بالصعود في المستوى التربوي والإداري، وأُخرى أهلية بدأت بالانحدار إلى الأسفل في نواحٍ معينة.

تعالت أصوات المشرفين والمشرفات، في إحدى المدارس الأهلية في المنطقة الشرقية بمجموعة من الأوامر والتعليمات الخاصة بالطلاب المستجدين بصوت عالٍ جداً ومبالغ فيه، من خلال مكبرات صوتية رديئة الجودة لا تستطيع الأذن البشرية ترجمتها أو فك رموزها لإرسالها إلى دماغ طالب ابتدائي لفهمها! الذي تستغربه أن تلك المدارس وغيرها من المدارس الأهلية، تستخدم الأسلوب القديم في النداء نفسه، كانت قد رفعت رسومها المدرسية إلى أكثر من 15 ألف ريال للمرحلة الابتدائية فقط منذ سنتين، بكل بساطة لأنه لا توجد جهة من الوزارة تحاسبها أو تضع قيوداً تجنب من رفع الرسوم، وتستقبل هي ومثيلاتها من المدارس الأهلية بلايين من الريالات نشرت الصحف المحلية عنها أخيراً، تكفي لتجهيز مدارس الساحل الشرقي بأكمله بتقنية عالية المستوى، ومع ذلك ففي كل عام تتعالى أصوات المكبرات من خلف الأسوار بشكل غير حضاري وغير تربوي، ليختلط عليك الأمر وتعتقد بأنك تمر بجوار «سوق الحراج» وليس خارج أسوار مدارس أهلية، في حركة تجاهل لمشاعر أهالي الطلبة الذين تكبدوا عناء توفير أسعار تلك الرسوم الخيالية من أجل أن يوفروا لأبنائهم بيئة تعليمية تتسم بالرقي والصحة، فكيف تتوقع إدارات تلك المدارس أن تكون مشاعر أهالي الطلبة وهم يسمعون صراخ الإداريين والإداريات، في كل من مدارس البنين والبنات بالتعليمات نفسها التي تذاع كل عام… «أبلة فلانة لغرفة المديرة… صف أول إلى الساحة… ثالث «ب» محروم من الفسحة… صف رابع الصلاة… يا باصات الجامعة… المشرف فلان إلى صف خامس «أ»… فلان الفلاني استأذن…»!

ليتحول جو المدرسة إلى فوضى عارمة من الأصوات المبالغ فيها حتى خارج الأسوار! ومن وجهة نظري المكبرات الصوتية في المدارس الأهلية والحكومية، ما هي سوى وسيلة تثبت فشل الإدارة في السيطرة على الطلاب، من خلال ترسيخ وتطبيق النظام، والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا لا تضع المدارس سماعات للنداء داخل الصفوف وبين الممرات لإلقاء التعليمات بأصوات معتدلة من دون أن تقاطع المعلم أثناء الشرح، أو تُخيف الطلاب المستجدين، ويبقى كجزء من خطة السلامة في جميع مدارس المملكة في عملية تحسين من دون أن تستهدف جيوب آباء الطلاب. نحن كآباء وأمهات نشجع ونثني على مجهودات وتوجهات الوزارة ومنسوبيها، في تحويل المدرسة من النمط التقليدي المقتصر على التعليم، إلى مؤسسة تربوية تهدف إلى بناء بيئة صحية للتعلم يسود فيها ثقافة الهدوء، وتشجيع الطالب بالتحدث بصوت منخفض، وبناء علاقة حب واحترام متبادل بين الطالب ومعلمه، خصوصاً في الأسبوع الأول من بداية العام الدراسي، بدلا من استقباله بالعقاب من ثاني يوم دراسي (كما فعل مدرس المواد الإسلامية) في مدرسة أهلية حين بدأ بتعريف نفسه بمعاقبة تلميذ بالوقوف طوال الحصة، لأنه كان متحمساً بشدة للإجابة، قبل أن يحفظ أسماء طلاب فصله أو يتعرف عليهم عن قرب، من دون أن يحسب بأن ذلك سيعمل على إحراجه أمام زملائه الجدد وهدم ثقته بنفسه، على رغم إصرار الوزارة على ترسيخ الاحترام المبني على الثقة بين المعلم والطالب، والذي سيثمر إن شاء الله جيلاً قوي الشخصية تم تأسيسه على خبرات وطنية وتربوية. أتمنى من مديري المدارس وإدارييها تقديم رؤيتهم وأفكارهم التطويرية من خلال مبادرات تُطرح للوزارة لتعميمها على المدارس الحكومية بعد نجاح تجربتها في نطاق المدارس الأهلية، والعكس أيضاً من أجل إيجاد أفضل بيئة تعليمية تنهض بالطالب والطالبة إلى مستوى متقدم من المهارات الحياتية والأخلاق التي بتعزيزها وبنائها ترتفع الأمم، على سبيل المثال لم تتبنَ أي مدرسة إلى الآن مبادرة حق الأم في متابعة مستوى أولادها الذكور، على اعتبار بأن الأم هي المدرسة الأولى والحقيقية في حياة الطفل، فما إن يخرج ابنها من الروضة، ويدخل مدارس البنين، حتى تقفل أبواب المدارس أمام الأمهات وتحرم من حق المتابعة مع المدرسين، فمن باب أولى أن تحترم إدارات المدارس حق الأم في متابعة أولادها بنفسها، كونها أحد الوالدين قبل أن تعلم الطالب مكانة الأم في الدين، ويجب الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الأم هي التي تُدرس، وتُتابع، وتعرف جيداً نقاط القوه والضعف في أبنائها، فسيكون من باب العدل إيجاد يوم في كل فصل دراسي لاجتماع الأمهات لتستطيع الأم متابعة المستوى العلمي لابنها، نظراً إلى أن ذلك سيمنح فرصة لشريحة كبيرة في المجتمع لكل من «الأرملة – أو المطلقة – أو زوجة جندي على الحدود – أو زوجة دكتور مناوب، أو حتى زوجة رجل مشغول أو آخر لا يبالي»، لتتمكن من متابعة تحصيل ابنها بلا معاناة من باب التحسين والتطوير وتنقلها إلى الداخل، بدلاً من وقوفها خارج أسوار المدرسة!