حرية الرأي من منظور إسلامي

إن حرية الرأي مُصطلحٌ صالَ وجالَ في المُنظمات وخضع لجملةٍ من الدراسات لينتهي بجملـــةٍ من القرارات والتوصيات ، وقد سبق الإسلام ما انتهوا إليه بعهدٍ كانت فيه حرية الرأي سيدًا مسودًا في اللغة وفي أرضِ الواقع ، فالحرية لفظٌ أصيل في لُغتنا وتراثنا وما كان الإنسان الحر عند العرب إلا من خيار القوم .

وتعد حرية الرأي عملية استقراءِ العقلِ البشري لما حوله ، وإنتاج ما يؤيده أو يرفضه ولذا كانت قائدًا للتطور والارتقاء في سلمِ العلمِ والمعرفة . ولعل كثير من النجاحات قادتها الآراء، وقد جـــــاء الإسلام بقاعدة لا ضرر ولا ضرار فكان على الإنسان أن يُحرر رأيـــه دون أن يمس بكرامــةِ إنسـانٍ آخر فهــذا ليس حقًا شرعيًا له .

إن تبعية الرأي ومحاكـــــــــاة أصحابـــه لرأي أهل القـــوة والمنعـــة لا تدخــل بقواميس الحرية إنما هي الإمعة التي تُسبب الشلل للفكـر بل وتقتلــــه ببشاعـة ! وتُلقي بأصحـــابه إلى المهالك ، أولم نرى أنَّ فرعون وصم نفسه بالهادي للرشـــــــــاد ؟! ، حيث ورد ذلك في قوله تعالى :  ( ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) فأودى إتْباع آرائهم رأيه لهلاكهم

ويتأكد أن تكون الآراء ظاهرةً لبني البشر ليكون التباين في استقراء العقول ظاهرًا وقائدًا للنجاح ومن هنا نشأ الجدل الذي أقامَ بنائُه القرآن الكريم بالحسنى ليقودَ هذا الجدل لإثبات الحق والوصول للاقتناعِ بالحسنى حتى لو كان في أوامـــر الدين، فالمُشرع هو الله، وهو الذي لا يكــــون في جنبـــه، جل في علاه إلا الحق فالآراء وإن اختلفت ابتداءً وانتهاءً ستقود للحق

لقد بنى الإسلام شخصية الإنسان على أساسٍ سوي، وبنــــاءٍ متين ثم سقــــــاهُ بتعاليمهِ التي حرصت عليه وعلى من حولهِ فالإنسان بطبيعته وفطرته اجتماعي ولذا كان لابـد من التأثير والتأثر. العقول مُختلفة والمدارك مُتباينة والأحداث مولودة على أرضِ البشر و لذا كان الاختلافُ أمرًا حتميًا ، ومن هنا نشـــأ الرأي الــــذي يعكس تصور الإنسان وأبعاد ثقافته العامة ، ومع ولادةِ الرأي وتواجـــــده على أرضِ الفكـر لزم أن يكونَ لهُ قوانين تحكمُه كي لا يسير ضحيةً للهوى أو العبثية ، و كذلك أمر بها أمرًا عن طريق الامتداح لبني البشر عن طريق ممـــــــــارسةِ الأمـرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر امتدادًا ونتاجًا لاستقراءِ العقول للسلوكيات ، وإصـــــدار الآراء تجــــــاهها قـــال تعالى : ( ولتكن منكـــم أمة يدعون إلى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكـــر) ولذا كانت حرية الرأي مسؤولية يُثاب عليها الناس ، وهي تعكس مدى رقابةِ الإنسانِ لذاته حينما يُقدر أهميتها، فهي تُعبــــر عن خليــطٌ من الأفكـــار ، والمُعتقــــدات التي اشتـــركت في تكــوينهــــا ثقافتك ومُعتقدك الديني ، ووعيك الاجتماعي مُصاحبًا بالجرأة ، والقدرة اللغوية مُحترمًا فيه ملكيات الآخر دون تحيزٍ أو منع ، فهي الأساسُ في بناءِ المجتمعاتِ الديمقراطية وأداة تطـــــورها ، ولذا نحنُ لا نحتــــاج لمن يردد نفس آرائنا بل نحتاج أن نسمع ما يقول الآخر لُنحقق الصعود والارتقاء.

وكما كان الإسلام وافيًا في كل شؤون الحياة كان مُهتمًا بالرأي وحريته ، فقننه وضبطـه وفقَ أُسس ومعـــايير في حين نسي البعض من المسلمين هذهِ القيمة الثابتـة لدينهم الإسلامي العظيم ، فتنازلوا عن أُصولها بعدم تطبيقها ، وتنحيهـــم عن العكـــوف على تعليمها ليكــــون النتــاج حرية رأي بمفهوم خاطئ ، فأصبحت ســــلاحًا قتل به أبنــــــاء الإسـلام عقولهــــم لينهضوا على جُثثِ الفُرقةِ التي قادها الفهم الخاطئ لقيمة إسلامية أقرها الإسلام وأولاها جُلَّ عنايته، فقد أقر حريــة الرأي العلمية في أوسع نطاق بحيث لم يعارض أية نظريةٍ علمية بصدد أي ظـاهرة من ظواهر الكون – مادام في ذلك مصلحة عامة للمجتمع- وأتـاح للعقول والأفكـــار حرية التفكيــر والتعبيــــر عن الرأي وحثهم على استعمال عقولهم وأبصــارهم ومداومةِ النظــــرِ فيما يحيط بهـــم من مخلوقات الله وعوالمِه ، كما أمر الإنسان بأن يخوض غمارَ ميـــدان الحرية بممارسةِ هذا السلـــــوك ، وقد وفرَ له المُنـــــــاخ الملائم – مجموع ضوابط الحرية – باعتبارهِ وإقرارهِ لهُ كحقٍ شرعي للإنســـان وفق تعاليــمِ دينهِ السمحة والعادلــة، وبهذا نشأت حرية الــرأي الصــائبة وفـق ظروف تضمــن لهـا النجــاح ، وتُحقــق في ضوئها التكافل، والوحدة على أرض متينة صلبة .

حرية الرأي حق لجميع المُجتمعات وسائرِ الأفراد دون احتكارها، أو منع أحد منها ، وبهــــذا المبدأ كان ديننا الإسلامي داعيًا لها . ولعلنا حينما نقرأ عن حرية الرأي نرى المُثقفين يُرجعونهـا لقواميسهــــم وكُتابهم وأنظمتهم ثم نستند لآرائهم ، ونردد ما قالوه في حين أن إرثنـــا الديني الذي نفخر به زاخرًا بما يؤكد شمولية ديننا، فحرية الرأي قاعدةٌ أصولية في الإسلام فليس في القرآنِ الكريم ولا السنةِ النبوية ما يمنعها ، بل كلاهما زاخر بالوقائع والشـواهد التي اُحترمت فيها هذه الملكية وأُنزلتها مكانهـا فقد كان الرسـول صلى الله عليه وسلم يستشيرُ أصحــابه في الأمــور العامة، وكان يـــأخذ – غالبا – بآرائهم وإن خـــــالفت رأيه ، كما حصل في مـواقف عديدة في غزوة بدر وأحد والخندق ، ففي غزوة بدر نزل جيش قريش بالعـــدوةِ القصـــوى من الوادي فخرج رســـول الله صلى الله عليه وسلم يبــــادرهم إلى المــاء حتى إذا جـــــــاء أدنى مــاء من بدر نــزل به ، فجــاءه الخبــاب بن منذر بن الجمــــوح رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتـأخر عنه، أم هو الرأي والحـرب والمكيـدة؟ قال: “بل هو الرأي والحرب والمكيدة” فقال: يا رسول الله هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لقد أشرت برأي)، فقبل ما أشار به ذلك الصحابي الجليل .

ومن ذلك نخلص بأن المسؤوليةِ في تبني حرية الرأي وزرعها وتنميتها وإمدادها بالسقاء باتت ضرورية ومُلحة ، ولعل الجزء الأكبر منها يقع على عاتق مربينا ومربياتنا معلمينا ومُعلماتنا فهم بُناة المُستقبل ورواده.

بقلم : سنا القمر .