المسؤولية مناطُ النجاح وموقدُ الفلاح

وضع وجبته وحمل حقيبته ذاهبًا لمدرسته ، في الطريق طفلٌ يحملُ بيديه حِملاً ثقيلاً تابعًا لوالدته والتي حاولت أن تُعينه ، على الرُغم من مشيها بصعوبة فيومئ لها ابنها بالرفض وأنْ واصلي المسير . عاملٌ في الطريق يقشُ قمامةً على قارعة الطريق ليقبض ثمن تعبه فيرسل بهِ لأولاده بأقصى الأرض ، كانت تلك المسؤولية التي حملها هؤلاء على عواتقهم ليكون لكلٍ منهم قصةٌ يُحددُ معالمها مقدارَ شعورهِ بالمسؤولية .

تذكـــرتُ حينها نبينا عليه الصلاة والسلام حينما حمل هم الدعـوة وإسلام أُمـة ! ، سعى بكل ما استطاع وبذل حياته ليحظـــى بما سعى من أجله يجوع ، يتعبد ، يدعو ، يُحارب ، يواسي ، يبكي ، يتزوج ، يُهان ، أمورٌ لا يتحملها الرجلُ الصلد ! ، إلا أنه بأبي وأُمي عليه الصلاة والسلام كان مُقدِرًا للمكان الذي اختاره له الله ، فسعى بكل طاقاته وقُدراته ليكون مؤديًا للمسؤولية التي كُلف بها ، وليعلمنا درسًا في المسؤولية الفردية وضرورة الوفاءِ بها ، ليضع أصلاً يبعثه لنا عبر رسالة الزمن فيقول عليه الصلاة والسلام بقوله : (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )).

من هنا قرر مبدأ المسؤولية الفردية وحدد اتجاهاتها لتكتمل منظومة التكامل في عصورٍ مُتلاحقة وسنواتٍ مُتتابعة كانت فيها النتيجة واضحة المعالم ، فكان من يُقدر المسؤولية ويوليها عنايته ناجحًا بكل المقاييس ، أمــــام نفسه وأمام الآخرين . الشعور بالمسؤولية دافعٌ ذاتي ينبع من نفسً موقنة ومُحبة لتمام الأمور وكمالها ، وهي نزعةٌ في النفس تُسقى بالتدريب والتربية على أدائها ، و إتقان حَملها من بعد الشعور بها ، فلا يقول قائل لم يهبني الله إياها ! . إنها التكليف الذي يعقبه المُحاسبة في الإسلام ، وقد أولاها جُلَّ عنايته ، فوضع لها الأُسس والمعايير وألحق بها سماحته ، لرحمته بالإنسان الضعيف ، إنَّ المسؤول مسؤول مِن مَِن هو فوقه إلا رب العِزة سبحانه فليس فوق الله أحد قال تعالى:  ( لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) الأنبياء:23. كما أنه لا مسؤولية إلا بتكليف قال تعالى : ( أيحسب الإنسان أن يُترك سدى ) القيامة:36 .

ولا تكليف في الإسلام بلا إرادة واعية مُدركة عاقلة ، ولذا نجد أنه لا تكليف على النائم والمجنون ولا على الصبي الصغير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( رُفع القلم عن ثـــــــلاث: عن النائـــــم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل))، والعبد لا يتحمل المسؤولية في ثلاثة أحوال : النسيان ، والإكراه ، والاضطرار فمن نسي صلاة فإنه يُصليها في الوقت الذي يذكرها فيه ، وقد ورد في كتاب الله تعالى قوله: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وقوله تعالى : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) البقرة:173.

إنَّ استشعارنا لقوله تعالى : ( وقفوهم إنهم مسئولون * مالكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون ) الصافات:24-26 ، يفرض علينا أن نسأل أنفسنا عن مسؤولياتنا ونخوض غمارها فنقف مع أنفسنا اللاهية وقفةً جادة ، نربيها على أداء ما أُوكل لها لأن الدنيا ليست دار البقاء حتى نأمن لها أو نركن ! ، هُنا لابد أن نُحدد مسؤولياتنا كُلٍ بحسبه : فالحاكم مُكلف والمواطنُ مُكلف ، الرجــــــلُ مُكلف والمرأةُ مُكلفة ،المعلم مُكلف والتلميذُ مُكلف ، الطبيبُ مُكلف والمريضُ مُكلف ، المُهندسُ مُكلف والعاملُ مُكلف ، الكـــــاتب مُكلف والقارئ مُكلف … الخ مِن مَن تلحقهم المسؤولية ، كلفوا هؤلاء لغاياتٍ ومقاصد لا للمشقـــــة والتعب فالإسلام لم يكن يومًا واضعًا المشقة غايةً لأوامره أو نواهيه ! , استمراريةُ الحياة ، الصعود بالإنسان لأعلى مراتب الحـــــياة الكريمة ، تبادل المنافع وقضاء المصالح ، تكوين مُجتمع صالح للاستخلاف يعي أنَّ عليه مثل ما أخذ كُلها من غايات المسؤولية وحِكمها وأهدافها ، إنك كإنسان مُسلم تجد أنَّ التاريخ الإسلامي يضع أمامك نمــــاذج حملوا المسؤولية بكل ما أُتوا وما كان ذاك إلا لأنهم فهموا الغاية والمقصد من تشريعها في القلوب.

هذا علي بن أبي طالب يُدرك أنَّ عليه مسؤولية إنقاذ النبي فينام في فراشــــــه وهو يعلم أنه سيكون مصيدة لخناجر القوم ! ، وهذا أبو بكر رضي الله عنه صاحب المقولة الشهيرة والتي تضخُ بالمسؤولية “أينقص الدين وأنا حي” ،كلمة ترسم منهجاً واضحاً ، وهذا ألبأرسلان : قائدٌ مجاهدٌ فهم تحمل المسؤولية فانظر مـــــــــاذا صنع؟! في يوم كان عائدا من إحدى معاركه في جيش قوامه خمسة عشر ألف جندي فسمع بتوجه الإمبراطور الروماني رومان لدك حصون المسلمين أخذ ألب أرسلان ينظر في الأمر بين جيشه العائد من معركــــــة كانت قريبة و به من القتلى والجرحى جيشٌ منهك من القتال ففكر في الأمر،هل يقاتل بهذا النذر القليل المنهك من جيشه ! أم ماذا يفعل بجيش قوامه خمسة عشر ألف مقاتل منهكين من الحرب! ، مقابل ست مائة ألف جندي رومي مزودين بأقوى العتاد ! , هنا برزت العقيدة في المواقف الحرجة، هنا تتجلى قيمة تحمل المسؤوليــــة دخل القائد المجاهد خيمته واغتسل ، و تحنط ، و تكفن ، ولبس ثيابه، و خرج على جيشه ، و أخذ يخطب فيهم قائلا : لا اله إلا الله يخشى أن يقضى عليها من الوجود ..فإما أن نقاتل حتى ترفع لا اله إلا الله أو نهلك دونها ها أنا قد تكفنتُ و تحنطت فمن أراد الجنة فليفعل كما فعلت ! ، فما هي إلا ساعات قلائل و أذا بالجيش الإسلامي كله تكفن وتحنط بإدراكه للمسؤولية . نادى المنادي يا خيل الله أركبي و أشتبك الجيشان و دارت الحرب و تطايرت رؤوسٌ و سقطت جماجم! ، وفي خضم المعركــــــــة ومعمعة السيوف إذ بالمنادى ينادى أنهزم الرومان و أسر قائدهم رومانوس!! ، ثم إنَّ شخصية أسامة بن زيد رضي الله عنه، حينما يقود جيش فيه رجال من كبار الصحابة أمثال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وعمره ثماني عشرة سنة لتبعث لنا برسالة بضرورة إعداد أبنائنا وبناتنا إعدادً به يصبحوا قادرين على تحمل المسؤولية ، إن الناظر في شبابنا اليوم وشاباتنا لمُتأسفٌ ومُتألم على أحوالهم فالابن الشاب لا يستطيع أن يحتمل نفسه فكيف بعائلته ؟! ، نجد الأب والأم يسددوا ويقاربوا للحفاظ على بيوتِ أبنائهم ثم نجد الفتاة في بيت زوجها مُحرجةً فهي لا تُجيد فنون الطبخ ورعاية الأولاد .

إنها أخطاء الآباء والأمهات يدفــــــع قيمتها أبنائهم وبناتهم بل وهم مُشتركين بالدفــــــــــع !. فلنُصحح المسير ولنُدرب أنفسنا ومن هم بين أيدينا لنُسهم بالخير فتلاميذنا وتلميذاتنا بين أيدينا وهم عجينٌ يسهلُ تشكيله ولنرمِ عليهم بمسؤوليات تُناسب قُدراتهم ولنتابع ونشكــر ونُشيد .

بقلم / سنا القمر .