أين التعليم في الرؤية؟


قضية التعليم منسية، أو لم ترد على البال، لأنها لا تدر مالاً

أين التعليم في الرؤية؟


620b601d07897e07c12f193ce17985cd

شبكة معلمي ومعلمات المملكة - متابعات :

توالت اللقاءات بشأن مستقبل البلاد، وكثرت ردود الأفعال بشأن ما قيل بأن الوطن مقبل عليه من حيث تنويع مصادر الدخل والاعتماد على سواعد الشباب في البناء، بدلاً من الاقتصاد الريعي، الذي عاشت عليه البلاد لعدة عقود من الزمن. فسمعنا عن الصناديق السيادية والاستثمارات الخارجية، وتحويل أكبر المؤسسات النفطية إلى شركات قابضة لأعمال تجارية منافسة حول العالم. كما كثر الحديث عن تقليل الدعم المالي الحكومي أو توقفه عن الخدمات، التي تقدم لجميع الناس، لتكون أكثر ذكاء في توجيهها إلى من يستحقها، دون ضياع الأموال في دعم القادرين أو الموسرين. وبالتأكيد احتلت قضيتا الإسكان والبطالة الساخنتان في المجتمع السعودي نصيباً من النقاش؛ سواء في لقاءات مع المسؤولين، أو في وسائل الإعلام المختلفة، وفي مجلس الشورى ومجالس الناس الخاصة.

لكن قضية التعليم لم يرد لها نصيب من التناول بالحجم الذي تستحقه؛ وعلى حد علمي لم تكن هناك خطط معلنة في هذا الخصوص، مع أن أغلب العارفين بمستوى التعليم لدينا يقرون بأنه في مستوى متواضع. ولا يظهر لنا من يقول: لقد حصل بعض السعوديين في مسابقات عالمية للرياضيات أو العلوم على مراكز متقدمة، أو تفوق بعض مبتعثينا في جامعات مرموقة؛ فتلك مسألة فردية تتعلق بنبوغ فردي وهوايات يتابعها بعض الأفراد بأنفسهم. فنحن نتكلم عن نظام التعليم بأكمله، وسياسات تعليمية يفترض أن تؤدي إلى خدمة استراتيجيات التنمية المطلوبة. والمشكلة العويصة في هذا الشأن أن من يتحدث بصوت عالٍ عن هذه القضية يركز على مسائل لوجستية مثل تجهيز المدارس، وكونها غير مستأجرة، وتعيين المعلمات في مناطقهن، لئلا يتعرضن للحوادث؛ وهي قضايا مهمة – بلا شك – لكنها ليست جوهر المسألة التعليمية، وبناء المناهج الحديثة، التي يحصرها أولئك المسطحون في الكتاب وحصص الدراسة، وليس في طرق التفكير، وبناء الثقة في النفس، وخلق الطموح بموازاة الواقع الذي يحلم المتعلم بتحقيقه.

فكل ما يقال عن استراتيجيات بناء الإنسان، الذي تعتمد عليه خطط تنموية لأي بلد كان، لا بد أن تكون هناك خطط موازية لها في مراحل التعليم المختلفة؛ تهيئ كل فرد لأن يفهم أصلاً أين موقعه، وما الذي يمكنه عمله، وبأي الوسائل التي يستطيع الحصول عليها والمناسبة له ولقدراته، يتوصل إلى مراده، ومجموع مراد كل الأفراد، ستكون هي الإرادة الشعبية الفاعلة. فكيف يمكننا تطوير القدرات، وأصرّ على أن المطلوب في التعليم – وخاصة مراحله الأولى، وأعني بها العشر السنوات الأولى من التعليم العام – هو تطوير طرق تلك القدرات، المتعلقة بناحيتين هما: طرق التفكير من جهة، وحل المشكلات من جهة أخرى. أما المعلومات، التي يظن القائمون على التعليم حالياً أنها لب المعرفة، فهي شيء ثانوي يستطيع أن يكتسبها في الطريق إذا كوّن المتعلم لديه أدوات الاكتساب والتعامل مع ما يكتسبه منها. فالتعليم يا سادة هو أشبه ما يكون بقشرة البصل لا يمكن أن تقطعها بصورة عمودية، بل توصل إلى الطبقة التي تليها، ووظيفة المؤسسة التعليمية، أن تدل المتعلم على كيفية تعرّفه على توالي طبقات التعلم، ثم تخزين الطريقة في ذهنه وليس المعلومة.

أكثر ما يوجعني إن كانت قضية التعليم منسية، أو لم ترد على البال، لأنها لا تدر مالاً بصورة مباشرة، أو لا تتعلق بالتخصيص الذي يراد التحول إليه. فاذا لم تكن هي المستند لكل تخطيط في بناء أذهان الأجيال اللاحقة، ومواقفها العملية، وفهمها العميق غير المستند إلى عموميات يتلقاها التلاميذ حالياً في مدارسنا، فلن يُبنى الإنسان الفاعل.

د. فالح العجمي


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *